الخطاب الديني المعاصر ومعاني كلمة حزب
قد وجدت كلمة حزب وجمعها أحزاب في اللغة العربية قبل نزول القرآن بيد أن معناها الحديث بزغ في معاجم اللغة العربية في نهاية القرن التاسع عشر حينما أصبحت مصر مستعمرة بريطانية( نضير الخزرجي، ٢٠٠٢). وعلى الرغم من تغير معنى كلمة حزب ودلالتها بمرور الوقت إلا أن علماء كثيرين يظلون يعولون على دلالاتها القديمة لتبرير موقفهم من مفهوم الحزب المعاصر دون أن يأخذوا التغيرات في النظام اللغوي والسياسي والاجتماعي بعين الاعتبار. وأسعى في هذا البحث إظهار الإشكالات المنهجية في الخطاب السياسي الإسلامي حول الحزب والتعددية الحزبية والتي تنبثق عن تأويل لفظ”حزب” من خلال دلالاته القديمة وأؤكد أن أحد العوائق الذي يحول دون تأطير الخطاب السياسي الإسلامي لسمح كافة الأطراف الإيديولوجية بالمشاركة في المشهد السياسي هو تسمية مفهوم المصطلح الحزب “حزب” ذاتها.
تعريف مفهوم الحزب لغويا:-
ثمة معاني لكلمة حزب في معاجم اللغة العربية القديمة والحديثة بعضها تحمل دلالة سلبية بينما البعض الآخر يحمل دلالة حيادية أو إيجابية. فعلى سبيل المثال، يذهب لسان العرب إلى أن أحد المعاني لكلمة حزب ”جَماعةُ الناسِ” وهو إحدى دلالات الكلمة الحيادية ولكن في الوقت نفسه، يذهب إلى أن الكلمة تعني “جنود الكفار” أو “طائفة” وهما من دلالاتها السلبية. أما بالنسبة لمعاجم اللغة العربية الحديثة فهي تحتوي على معان كلمة حزب مختلفة عن معانيها القديمة تماما، فمثلا وفقا لقانون الأحزاب السياسية المصري الحزب هو “كل جماعة منظمة مشتركة وتعمل بالوسائل السياسية الديمقراطية لتحقيق برامج محددة تتعلق بالشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة وذلك عن طريق المشاركة في مسؤوليات الحكم”( ياسين بن علي، ١٤٣٢) وتتباين معان لفظ حزب ودلالاته مثلما شرحت آنفا إذ تشكلت كلها في سياق مرتبط بنظام لغوي ثقافي معين مما يدل على أننا لا يمكننا الاستناد إلى معاجم اللغة العربية إن أردنا فهم لفظ حزب لتقرير شرعيته في الإسلام فحسب إنما علينا أن نستنبط معان الكلمة ودلالاتها من السياق الذي ورد فيه. فبالتالي أبدأ بتحليل الثوابت القطعية حيث إنها تضبط شرعية إقامة الأحزاب في الخطاب السياسي الإسلامي.
مفهوم الحزب في النص القرآني:-
وردت كلمة حزب في القرآن ٩ مرات في ٧ آيات ووردت فيه بصيغة الجمع “أحزاب” ١١ مرة في ١٠ آيات ولم تأت كلمة حزب في القرآن على دلالة واحدة إنما وردت على أربع دلالات يوضحها موضع اللفظ في النص.
الدلالة الأولى: حزب الله
وردت عبارة “حزب الله” ٣ مرات في موضعين في القرآن وهما:
(وَمَن يَتَوَلَّ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّـهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) ﴿سورة المائدة: آية ٥٦﴾
(تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) ﴿سورة المجادلة: آية ٢٢﴾
إن هذه دلالة إيجابية وتشير إلى أن ثمة حزب صالح يجوز للمسلمين الانضمام إليه.
الدلالة الثانية: حزب الشيطان
ووردت عبارة “حزب الشيطان” ثلاث مرات في القرآن في موضعين وهما:
(إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ) ﴿سورة فاطر: آية ٦﴾
(اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) ﴿سورة المجادلة: آية ١٩﴾
ولا حاجة إلى القول إن هذه دلالة سلبية وتشير إلى أن التجمع تحت عباءة الحزب لا يهدي الإنسان دائما بل يمكن أن يضله.
الدلالة الثالثة والرابعة: أحزاب والأحزاب
يعالج القرآن قضية تعدد الأحزاب في بقية المواضع التي وردت كلمة حزب فيها حيث تدل هذه المواضع إلى عدة أحزاب أو حزبين. وبوسعنا أن نستنبط دلالتين مختلفتين بصدد تعدد الأحزاب من هذه المواضع وأولهما تلمح إلى أحزاب مجهولة بينما ثانيهما تشير إلى الجنود الكفار الذين حاربوا الرسول (صلى الله عليه وسلم).
أحزاب مجهولة
ورد هذه الدلالة في ٨ مواضع وهي:
(فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) ﴿سورة المؤمنون: آية ٥٣﴾
(مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) ﴿سورة الروم: آية ٣٢﴾
(أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ) ﴿سورة هود: آية ١٧﴾
(وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّـهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ ) ﴿سورة الرعد: آية ٣٦﴾
(فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ) ﴿سورة مريم: آية ٣٧﴾
(وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ ) ﴿سورة غافر: آية ٣٠﴾
(فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ ) ﴿سورة الزخرف: آية ٦٥﴾
(ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا) ﴿سورة الكهف: آية ١٢﴾
جنود الكفار
ووردت هذه الدلالة في ٥ مواضع.
(يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُم مَّا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا ) ﴿سورة الأحزاب: ٢٠﴾
(وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّـهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا) ﴿سورة الأحزاب: ٢٢﴾
(جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ الْأَحْزَابِ ) ﴿سورة الأحزاب: ١١﴾
(وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَـٰئِكَ الْأَحْزَابُ ) ﴿سورة الأحزاب: ١٣﴾
(وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ ) ﴿سورة غافر: ٣٠﴾
إن دلالة كلمة حزب في هذين السياقين سلبية بلا شك إذ تشيران إلى أن الأحزاب تسفر عن انشقاق المسلمين إلى طوائف تنكر الإسلام وتسبب التناحر وتفكيك الدين.
وإن تمعننا في هذا الدلالات الأربعة برمتها فبإمكاننا أن نستنتج منها نقطتين. وأولهما هي أن الحزب الوحيد الذي يجوز الانتماء إليه هو حزب الله بينما لا يجوز تعدد الأحزاب لأنه يؤدي إلى الضلال حتما. وثانيهما هي أن معنى كلمة الحزب ليس جامدا في النص القرآني بل يتباين تباينا حسب سياقه في النص على الرغم من تهجئة الكلمة لا تتغير. فكما رأينا سابقا أنه يتحول داخل النص القرآني من تجمع الناس سواء كان تحت عباءة حزب الله أو حزب الشيطان أو أحزاب شتات إلى مجموعة معينة تسمى “الأحزاب”.
تعريف الحزب في الحديث:-
تتطابق بعض معان كلمة حزب في الحديث مع معانيها في القرآن. فعلى سبيل مثال لا الحصر، ورد في صحيح البخاري في كتاب الجهاد: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا عِيسَى حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبِيدَةَ عَنْ عَلِىٍّ - رضى الله عنه - قَالَ لَمَّا كَانَ يَوْمُ الأَحْزَابِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَلأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا ، شَغَلُونَا عَنِ الصَّلاَةِ الْوُسْطَى حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ .”( أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ١٨٩٦) وتدل لفظة أحزاب في هذا السياق على الجنود الكفار الذين حاربوا المسلمين وهو دلالة من دلالات حزب الموجودة في النص القرآني. ولكن من ناحية ثانية الحديث أيضا يحتوي على معان لكلمة حزب أخرى لم ترد في القرآن على الإطلاق. مثلا “يروي البخاري، عن عائشة رضى الله عنها، أن نساء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كُن حزبين، فحزب فيه عائشة وحفصة وصفية وسودة، والحزب الآخر أم سلمة وسائر نساء رسول الله”صحيح البخاري [ جزء 2 - صفحة 911 ]
وتختلف دلالة كلمة حزب هنا عن دلالاتها القرآنية حيث أنها لم ترد على الذمة بالرغم من أن صيغتها المثنى إنما وردت على موضع حيادي بلا شك إذ إن الحزبين المذكورين تتكونان من زوجات رسول الله اللواتي لا يذكرن على الذمة. وعلاوة على ذلك فإن الحديث يحتوي على معان لكلمة حزب تختلف عن دلالاتها القرآنية كل الإختلاف. مثلا الحديث الذي ينص “عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل”(أبو الحسن الحنفي الشهير بالسندي، حاشية السندي على ابن ماجه ص.١٣٤٣) وإن كلمة حزب في هذا الحديث لا تتعلق بأي معني من المعاني القرآنية لأنها لا تدل على تجمع الناس بأي شكل من الأشكال بل تعني “ووِرْدُ الرَّجلِ من القرآن والصلاة” لسان العرب.
ويمثل وجود معان متعددة لكلمة حزب في الحديث دليلا صارخا على أن تغير مفهوم الحزب وتطوره أمر طبيعي لكن أهم من ذلك فأنه يوحي بأن الرسول (صلى الله عليه وسلم) والمسلمين الأوائل كانوا يفرقون بين دلالات كلمة الحزب القرآنية وغير القرآنية تفريقا تاما لأنه لو لم عملوا ذلك لما فهموا أقوال النبي التي ذكرتها آنفا على الإطلاق. وهتان النقطتان بالغة الأهمية لأنهما يمثلان منطلقا لفهم ضرورية التمييز المعاني القرآنية وغير القرآنية لكلمة حزب بل تحليل الاشكالات في معالجة مفهوم مصطلح الحزب في الخطاب السياسي الإسلامي المعاصر.

![[عن مجلة "بدايات" الفصلية]](http://www.jadaliyya.com/content_images/3/picSaharMandurArticle.png)